ابن أبي الحديد

59

شرح نهج البلاغة

فكره ذلك ودخل المسجد ، فتركت الصبيان وجئت إليه لأدرس عليه وردي ، فلما رآني قام فصلى وأطال في الصلاة - شبه المعرض عنى - حتى أحسست منه بذلك ، فلما انفتل من صلاته كلح في وجهي ، فقلت له : ما بال الشيخ ؟ فقال لي : يا بنى ، أنت اللاعن عليا منذ اليوم ؟ قلت : نعم ، قال : فمتى علمت أن الله سخط على أهل بدر بعد أن رضى عنهم ! فقلت : يا أبت ، وهل كان على من أهل بدر ! فقال : ويحك ! وهل كانت بدر كلها إلا له ! فقلت : لا أعود ، فقال : الله أنك لا تعود ! قلت : نعم فلم ألعنه بعدها ثم كنت أحضر تحت منبر المدينة ، وأبى يخطب يوم الجمعة - وهو حينئذ أمير المدينة - فكنت أسمع أبى يمر في خطبه تهدر شقاشقه ، حتى يأتي إلى لعن علي عليه السلام فيجمجم ، ويعرض له من الفهاهة والحصر ما الله عالم به ، فكنت أعجب من ذلك ، فقلت له يوما : يا أبت ، أنت أفصح الناس وأخطبهم ، فما بالي أراك أفصح خطيب يوم حفلك ، حتى إذا مررت بلعن هذا الرجل ، صرت ألكن عليا ! فقال : يا بنى ، إن من ترى تحت منبرنا من أهل الشام وغيرهم ، لو علموا من فضل هذا الرجل ما يعلمه أبوك لم يتبعنا منهم أحد فوقرت كلمته في صدري ، مع ما كان قاله لي معلمي أيام صغرى ، فأعطيت الله عهدا ، لئن كان لي في هذا الامر نصيب لأغيرنه ، فلما من الله على بالخلافة أسقطت ذلك ، وجعلت مكانه : ( إن الله يأمر بالعدل والاحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون ) ( 1 ) ، وكتب به إلى الآفاق فصار سنة . وقال كثير بن عبد الرحمن يمدح عمر ويذكر قطعه السب : وليت فلم تشتم عليا ولم تخف * بريا ولم تقبل إساءة مجرم ( 2 ) وكفرت بالعفو الذنوب مع الذي * أتيت فأضحى راضيا كل مسلم

--> ( 1 ) سورة النحل 90 ( 2 ) الأغاني 9 : 258 ( طبعة الدار ) مع اختلاف في الرواية .